سيد محمد طنطاوي

16

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه الترمذي ، من أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وذلك أنه حين أسلم ، قالت له أمه حمنة بنت سفيان : يا سعد بلغني أنك صبأت ، فو اللَّه لا يظلني سقف بيت ، وإن الطعام والشراب على حرام ، حتى تكفر بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم . . . فجاء سعد إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فشكى إليه ما قالته أمه . فنزلت هذه الآية . . فجاء سعد إليها فقال لها : يا أماه لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني ، فكلي إن شئت ، وإن شئت فلا تأكلي ، فلما يئست منه أكلت وشربت . . . » « 1 » وقوله : * ( حُسْناً ) * منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف . أي : ووصينا الإنسان بوالديه إيصاء حسنا ، وعبر بالمصدر للمبالغة في وجوب الإحسان إليهما ، بأن يكون بارا بهما ، وعطوفا عليهما ، وسخيّا معهما . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنْ جاهَداكَ ) * معطوف على ما قبله بإضمار القول : أي : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له * ( إِنْ جاهَداكَ ) * أي : إن حملاك وأمراك * ( لِتُشْرِكَ بِي ) * في العبادة أو الطاعة * ( ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) * في ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وقوله - سبحانه - : * ( ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * بيان للواقع ، فهذا القيد لا مفهوم له ، لأنه ليس هناك من إله في هذا الكون ، سوى اللَّه عز وجل . وقوله تعالى : * ( إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * تذييل المقصود به التحذير من معصيته - سبحانه - . أي : إلى مرجعكم جميعا - أيها الناس - يوم القيامة ، فأحاسبكم على أعمالكم حسابا دقيقا ، وأجازى الذين أساؤا بما عملوا ، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى . * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا ) * الأعمال * ( الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ ) * بفضلنا وإحساننا * ( فِي الصَّالِحِينَ ) * أي في زمرة الأقوام * ( الصَّالِحِينَ ) * الذين رضينا عنهم ، ورضوا عنا . ثم يرسم القرآن الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب المريضة ، والنفوس الضعيفة ، ويحكى جانبا من أقوالهم الفاسدة ، ودعاواهم الكاذبة فيقول :

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 13 ص 328 .